الفكر بين المادية والمثالية/ د.سناء ابو شرار (روائية ومحامية)

الخميس, 04 أيلول 2014 11:15

index.jpg

حين نتطرق لموضوع الفكر في عالمنا العربي يعتقد الكثيرون بأنه موضوع نظري بل ومثالي، بل وممل أيضاً لأنه يقتصر على فئة مثقفة وربما "متفلسفة" أيضاً؛ لذا لايبدو أن الفكر له مكانه مميزة في مجتمعنا العربي. وهو مجتمع إما ينجرف وراء الماديات أو يلهث للحصول على القليل منها بجهد وعناء. أي أنه مجتمع منقسم إلى طبقة مُترفة وطبقة تشقى لأجل لقمة العيش وهناك طبقة متوسطة تتأرجح بين اليسر والعسر.

فهل يمكن أن تتفق هذه الطبقات الثلاث على فكر واحد؟ بالطبع لا، أن منطلقاتها مختلفة وواقعها مختلف بل وتصوراتها وتتطلعاتها للحياة مختلفة أيضاً. فيما مضى كان يمكن لجميع فئات المجتمع أن يشتركوا بفكر واحد وهو فكر يُسمى فيما مضى بالعرف الإجتماعي حيث تم تنظيم تحركات الأفراد والأسرد بموجب منظومة إجتماعية منسجمة والجميع متفق على تطبيقها، ذلك يُسمى عرفاً ولكنه ثقافياً فكراً إجتماعياً مُتفق عليه ضمنياً وجماعياً دون أن يكون مكتوباً ولربما كانت له قوة أكبر من قوة القانون لأن جميع أفراد المجتمع يُطبقونه برغبة فردية وبإرادة جماعية. ولكننا في مجتمعنا المعاصر أصبح لكل فرد في المجتمع الحق برفض العرف الإجتماعي أو جزء منه أو كله، ولن يحاسبه المجتمع لأن المجتمع أصبح يخضع لمنظومات ثقافية مختلفة أولها الإحتياجات المادية ، ثم التأثر الثقافي والفكري بالعالم التكنولوجي ثم وقبل ذلك الرغبة  بالتحرر ولو من القليل من القيود الإجتماعية التي فرضها العرف فيما سبق.

فهل نحن بحاجة لإعادة صياغة العرف الإجتماعي من جديد ؟ وإذا كنا نرغب بذلك سيكون ذلك بناءاً على أي فكر؟ هل سيكون فكراً غربياً أو فكراً تكنولوجياً أو فكراً مادياً أم مثالياً؟ نحن نقوم بتقييم كل أمورنا المادية، ندرسها بعناية ونولي لها جل الإهتمام ولكننا وللأسف نُهمل التقييم الفكري للمجتمع. نهمل مراجعة الذات ومراجعة المجتمع؛ وحين نريد الإنتقاد تكون الدولة أو موضوع للنقد بصفتها المسؤولة الأولى؛ ولكن في الموضوع الفكري الإجتماعي لا يبدو أن  الدولة صاحبة المسؤولية وإن كانت صاحبة التأثير؛ بل الفرد والأسرة؛ لأن الفرد المثقف الواعي لمسؤولياته والمدرك للواقع من حوله بسلبياته وإيجابياته سوف يؤسس لفكر سليم ينظم حياته بموجبه؛ وكذلك الأم والأب لابد لهما من فكر واضح هادف ومنظم حول ما يجب أن يكون وألا يكون في إطار الأسرة وأن يتفقا على أن تكون الأسرة القلعة الحصينة في مجتمع يتعرض لتغييرات متسارعة.

وهذا يقودنا إلى نتيجة هامة، وهي أن الفكر ليس مثالياً ولا يتعلق بالفئة المثقفة بالمجتمع ولا يقتصر على النخبة كما يعتقد البعض، كل ما يقوم به كل منا من تصرفات أو حتى كلمات مبني على فكر معين يحياه حتى ولو لم يدرك ذلك. كل منا له نهج حياة حتى ولو لم يكن يُحسن التعبير عن هذا النهج ولكنه يمارسه فينتفع به من حوله أو يُسيء لمن حوله. لذلك كان لابد للفكر أن يستعيد أهميته وتقديره في المجتمع؛ لابد من تعليم أولادنا عملية التفكير وأن يكون لهم رأي بكل ما يدور حولهم. لابد من إعادة العلاقة بين العرف الإجتماعي وبين الفكر الثقافي لأن مجتمع يتحرك بموجب أعراف قديمة بالية لا يمكن أن يتطور دون فكر ثقافي مستنير . هذا الإهمال للفكر الثقافي وإعتباره يقتصر على فئة مثقفة أو تدعي الثقافة أضر ضرراً كبيراً بتطور المجتمع العربي، ومنح لمن يُخطيء ذريعة الخطأ لأنه لا يوجد فكر ثقافي نير يواجه الخطأ ويُرشد نحو الصواب. هذا الإهمال للفكر الثقافي ولإعمال العقل في جميع شؤون الحياة أوجد التعصب والإهمال والمادية وأصبح من يتحدث عن الفكر يُعتقد بأنه مثالي لا يمت بصلة للمجتمع. الفكر هو الترياق الأفضل لمجتمعات مريضة لأنه ينقذها من أمراض كثيرة منها التعدي على القانون، عدم إحترام خصوصية الآخر، عدم تقييم الأمور بموجب المنطق والعقل بل بموجب التعالي والعصبية؛ ثم يصل لمراحله الأصعب بإنتشار الجريمة.

فهل نحن عاجزين عن إعمال الفكر بكل شأن من شؤون حياتنا؟ أم أن إعمال الفكر أصبح عملية مُرهقة وتجعلنا نواجهه مسؤوليتنا تجاه تصرفتنا وهو ما لا نرغب به؟ أم أن غرقنا بكل ما هو مادي حجب عنا نعمة إعمال الفكر ومراجعة الذات؟